السيد عبد الأعلى السبزواري
332
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والآية المباركة تدلّ على نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وصدق دعواه وبطلان ما سواها . قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . إجمال بعد تفصيل وإيجاز بعد إطناب لتأكيد الحجّة ، وهذا من الأساليب المستحسنة المتّبعة في مقام الاحتجاج والاستدلال . والآية الشريفة في مقام الردّ على شبهة طائفتين : الأولى : اليهود الذين استبعدوا خلق الإنسان من غير أب ، فاتهموا مريم العذراء . والثانية : النصارى الذين ضلّوا في عيسى عليه السّلام ، فزعموا أنه ابن اللّه تعالى ، فكان الجواب قاطعا ، حيث إن كلتا الطائفتين تعترفان بآدم وأنه خلق من غير أب ولا أم ، فما يقول فيه اليهود والنصارى يقال في عيسى عليه السّلام ، فاكتفى سبحانه وتعالى بالتشبيه بخلق آدم عليه السّلام حيث اقتضى الحال أن يوجز البيان . والآية الشريفة على إيجازها اشتملت على حجّتين : الأولى : أن عيسى وآدم عليهما السّلام مخلوقان مسبوقان بالعدم ، وقد خلقهما اللّه تعالى حسب حكمته وعلمه ، وفقد الأب فيهما لا يصير خلقهما ممتنعا ، ولا يوجب ادعاء التهمة في عيسى . الثانية : أن عيسى عليه السّلام كآدم في خلقه بالأمر التكويني ، فلو اقتضى خلق عيسى من غير أب دعوى الالوهيّة فيه ، لاقتضى خلق آدم تلك أيضا ، مع أنه لم يدع أحد الالوهيّة ولعلّه أنه أولى بذلك ، إذ لم يخلق من أب وأم ، وأنه مسجود الملائكة ، بخلاف عيسى الذي خلق من أم ومن نفخ جبرائيل ، فاجتمعت في مريم العذراء الحالة الانعقاديّة والمنعقديّة ، فهو أبعد من دعوى الألوهية بمراتب عن آدم عليه السّلام . ثم إنّ الآية الشريفة تثبت حقيقة من الحقائق الواقعيّة ، وهي أن مجاري